سيد محمد طنطاوي

54

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( تَخَيَّرُونَ ) * أصله : تتخيرون . والتخير : تطلب ما هو خير . يقال : فلان تخير الشيء واختاره ، إذا أخذ خيره وجيده . أي : بل ألكم - أيها المشركون - كتاب قرأتم فيه بفهم وتدبر المساواة بين المتقين والمجرمين ، وأخذتم منه ما اخترتموه من أحكام ؟ كلا ، إنه لا يوجد كتاب سماوي ، أو غير سماوي ، يوافقكم على التسوية بين المتقين والمجرمين . وأنتم إنما تصدرون أحكاما كاذبة . ما أنزل اللَّه بها من سلطان . ثم انتقل - سبحانه - إلى توبيخهم على لون آخر من مزاعمهم فقال : * ( أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ) * . أي : وقل لهم - يا محمد - على سبيل إلزامهم الحجة : بل ألكم * ( أَيْمانٌ ) * أي : عهود ومواثيق مؤكدة * ( عَلَيْنا ) * وهذه العهود * ( بالِغَةٌ ) * أقصى مداها في التوكيد ، وثابتة لكم علينا * ( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) * بأننا قد سوينا بين المسلمين والمجرمين في أحكامنا ، كما زعمتم أنتم ؟ إن كانت لكم علينا هذه الأيمان والعهود ، فأظهروها للناس ، وفي هذه الحالة يكون من حقكم أن تحكموا بما حكمتم به . ومما لا شك فيه ، أنهم ليست لهم عهود عند اللَّه بما زعموه من أحكام ، وإنما المقصود من الآية الكريمة ، بيان كذبهم في أقوالهم ، وبيان أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بجواب يثبتون به مدعاهم . وقوله : * ( إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ) * جواب القسم ، لأن قوله : * ( أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا ) * بمعنى : أم أقسمنا لكم أيمانا موثقة بأننا رضينا بأحكامكم التي تسوون فيها بين المسلمين والمجرمين . ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يسألهم سؤال تبكيت وتأنيب فقال : * ( سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ ) * . والزعيم : هو الضامن ، والمتكلم عن القوم ، والناطق بلسانهم . . واسم الإشارة يعود على الحكم الباطل الذي حكموه ، وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين . أي : سل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين ، سؤال تقريع وتوبيخ ، أي واحد منهم سيكون يوم القيامة ، كفيلا بتحمل مسؤولية هذا الحكم ، وضامنا بأن المسلمين سيكونون متساوين مع المجرمين في الأحكام عند اللَّه - تعالى - .